السلمي
32
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
لا نكلمه هيبة ، ولا نبتديه لعظمه . فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم . يعظّم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا ييئس الضعيف من عدله . وأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه وغارب نجومه ، وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، وكأني أسمعه وهو يقول : يا دنيا يا دنيا أبي تعرّضت أم لي تشوّفت ؟ هيهات غرّي غيري ، قد بتتّك « 1 » ثلاثا لا رجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك كبير آه من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق » « 2 » . أخرج أبو نعيم عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : « إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا له ظهر وبطن ، وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن » « 3 » . وقال علي رضي اللّه عنه : « واللّه ما نزلت آية إلّا وقد علمت فيم أنزلت ، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ، ولسانا سؤولا » « 4 » . وكان عليه السلام إذا لزمه في العيش الضيق والجهد ، أعرض عن الخلق فأقبل على الكسب والكد . إنه قال : « جئت إلى حائط أو بستان فقال لي صاحبه دلوا وتمرة ، فدلوت دلوا بتمرة فملأت كفي ، ثم شربت من الماء ، ثم جئت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بملء كفي فأكل بعضه وأكلت بعضه » « 5 » .
--> ( 1 ) طلّقتك طلاقا بائنا قاطعا . ( 2 ) حلية الأولياء : 1 / 84 - 85 ، صفة الصفوة : 1 / 315 - 316 . ( 3 ) حلية الأولياء : 1 / 65 . ( 4 ) حلية الأولياء : 1 / 66 . ( 5 ) حلية الأولياء : 1 / 71 .